الذكاء الاصطناعي في الإعلام والترفيه (1)رحلة التطور.. من الأتمتة الجزئية إلى صناعة المحتوى

د. عباس مصطفى صادق


من التجريب المبكر إلى التطبيقات المعاصرة، يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًّا في إعادة تشكيل المشهد الاتصالي برمته، وأثر على صناعات الإعلام والترفيه والإعلان، مما أدى إلى حالة تغيير في طريقة إنشاء المحتوى وتوزيعه واستهلاكه ومشاركة الجمهور، علاوة على الجدل المثار في الجوانب المهنية والأخلاقية المرتبطة باستخداماته، وكما نرى ونتابع كل يوم تحمل تطورات الذكاء الاصطناعي وعودًا بتطبيقات أكثر تقدمًا من شأنها تشكيل الصناعة بطرق عميقة.

في هذه الحلقات نتتبع تطور وأوجه الاستخدامات من تحليل البيانات المبكر إلى العصر الحالي للتعلم العميق والأتمتة.
تطور في سطور
يمكن إرجاع مفهوم الذكاء الاصطناعي إلى منتصف القرن العشرين، ففي عام 1943م، ابتكر «وارن مكولوتش ووالتر بيتس»، نموذجًا للخلايا العصبية الاصطناعية، ووضعا الأساس للشبكات العصبية. وفي الخمسينيات قدم رواد الذكاء الاصطناعي الأوائل مثل: «آلان تورينغ وجون مكارثي» إسهامات كبيرة في هذا المجال.
وقد حدث أهم تحول في عام 1956م، عندما نظم مكارثي ورشة عمل «دارتموث» (Dartmouth Workshop)، والتي غالبًا ما تعتبر مكان ولادة الذكاء الاصطناعي كمجال رسمي، فقد اجتمع الباحثون وقتها لاستكشاف إمكانيات الآلات الذكية.
ما بين الخمسينيات والستينيات طور الباحثون العديد من برامج الذكاء الاصطناعي (Logic Theorist)، بما في ذلك ما يطلق عليه «المنظر المنطقي» من قبل «ألين نيويل وهربرت سيمون»، والذي يمكن من خلاله إثبات النظريات الرياضية، كما عملا على تطوير برامج معالجة اللغة الطبيعية المبكرة.
على الرغم من التفاؤل المبكر، واجه التقدم في الذكاء الاصطناعي تحديات كبيرة ما بين السبعينيات والثمانينيات، مما أدى إلى ما يعرف بـ»خريف الذكاء الاصطناعي» (AI Winter)، فقد انخفض تمويل البحوث وتجاوزت التوقعات الإنجازات الفعلية؛ لكن في نفس هذه المرحلة طور الباحثون الذكاء بما يسمى «بالأنظمة الخبيرة» (Expert Systems)، وهي عبارة عن برامج قائمة على قواعد مصممة لتقليد الخبرة البشرية في مجالات محددة مثل الطب والتمويل.
ما بين الثمانينيات والتسعينيات شهدت أبحاث الذكاء الاصطناعي عودة حية بعد ظهور شبكة (Machine Learning) مع التركيز على تقنيات التعلم الآلي، ومع ظهور شبكة الإنترنت في بداية التسعينيات توفرت لباحثين الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من البيانات وفرصًا جديدة لمعالجة اللغة الطبيعية وأنظمة التوصية ومحركات البحث.
في العشرية الأولى للألفية الجديدة حقق التعلم العميق، اختراقات كبيرة في التعرف على الصور والكلام، مما أدى إلى تطوير مساعدين افتراضيين مثل: «سيري وإليكسا»، بعدها أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي مدمجة في كافة أوجه حياتنا اليومية.
في مخيال السينما
نبدأ هنا بتتبع مراحل التطور في الإعلام منذ أن جسده صناع السينما في أفلامهم إلى ظهور أولى استخداماته الإعلامية في خمسينيات القرن الماضي، فقد وجد الذكاء الاصطناعي طريقه لأول مرة إلى دور السينما منذ ما يقرب من مائة عام في الفيلم الألماني «ميتروبوليس» (Metropolis) عام 1927م، وذلك في هيئة روبوت بشري عازم على الاستيلاء على مدينة ضخمة من خلال التحريض على الفوضى، وهي بداية توضح جانبًا من موقف الناس في ذلك الوقت تجاه هذه التكنولوجيا «الخيالية» الجديدة، لكن في عام 1951م أي بعد ربع قرن ظهر نموذج آخر للذكاء الاصطناعي في الفيلم الأمريكي «جورت» (Gort)، هذا الفيلم قدم روبوتًا ودودا، ليس فقط مع رفيقه، ولكن مع البشر – أيضًا –.
ومبدئيًّا، يمكن تقسيم رحلة الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام إلى عدة مراحل، تشمل الفترة ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن العشرين، ثم مرحلة تسعينيات القرن العشرين التي شهدت بدايات ظهور أدوات توليد المحتوى، ومع بداية الألفية الثانية تابعنا صعود مفهومي التخصيص والتوصية، بعدها تطورت أدوات توليد المحتوى بوسائطه المتعددة، ثم إلى التطورات الجارية في أتمتة غرف الأخبار وروبوتات الدردشة وصناعة المحتوى بكافة أشكاله.
تطوير الآلات الذكية
كثيرًا ما اجتهد بعض مطوري الكمبيوتر لجعل الآلات ذكية مثل البشر، وبما يكون النظام الأول الذي يمكن أن يشار إليه هو «ثيسيوس» (Theseus)، الذي طوره «كلود شانون» (Claude Shannon) في عام 1950م، وكان عبارة عن فأرة كمبيوتر يتم التحكم فيها عن بُعد. بعدها وفي سبعة عقود، قطعت قدرات الذكاء الاصطناعي شوطًا طويلاً..
والبداية كانت في عام 1951م، عندما كتب أول برنامج ذكاء اصطناعي ناجح بواسطة كريستوفر ستراشي.
أتمتة الصحافة
وفي نفس سنوات الخمسينات يمكن ربط جذور الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام مع التجريب المبكر في الصحافة المؤتمتة وقتها، تم استخدام أجهزة الكمبيوتر لتوليد ملخصات الأخبار، وإن كان ذلك بنجاح محدود.
تطبيقات النظم الخبيرة
بين سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تم تطوير أنظمة للذكاء الاصطناعي يطلق عليها «تطبيقات النظم الخبيرة» (Expert Systems)، وهي تركز على تكرار الخبرة البشرية في مجالات محددة.
في عام 1988م، استخدمت صحيفة «نيويورك تايمز» نظامًا خبيرًا يسمى «كاساندر» (Cassandre)، لتصنيف المقالات الإخبارية وتحديد أولوياتها.
أدوات توليد المحتوى
شهدت تسعينيات القرن العشرين بدايات ظهور أدوات توليد المحتوى مع التطورات الكبيرة في معالجة اللغة الطبيعية، وهو حقل فرعي من الذكاء الاصطناعي يركز على تمكين أجهزة الكمبيوتر من فهم وتوليد اللغة البشرية. أدى هذا التقدم إلى ظهور أدوات إنشاء المحتوى الآلي، وقتها بدأت وكالات الأنباء والمنصات عبر الإنترنت في استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنشاء تقارير إخبارية، وملخصات رياضية، وتحديثات مالية وتحديثات الطقس.
التوصية والتخصيص
في القرن الحالي، أصبح الذكاء الاصطناعي مؤثرًا بشكل متزايد في صناعة الترفيه حيث شهد صعود مفهوم التخصيص، وقد باتت منصات مثل: «نيتفليكس وأمازون» تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي للتوصية بالمحتوى للمستخدمين بناءً على سجل المشاهدة الخاص بهم.
لقد أدى التخصيص القائم على الذكاء الاصطناعي إلى تغيير كيفية تقديم محتوى الوسائط إلى الجماهير، وتستفيد مواقع الويب الإخبارية، وخدمات بث الموسيقى ومنصات التجارة الإلكترونية من الذكاء الاصطناعي في عمليات تنظيم المحتوى بناءً على تفضيلات المستخدم وسلوكه، وهذا ما يعزز مشاركة المستخدم ويزيد الإيرادات من خلال الإعلانات المستهدفة.
ويومًا بعد يوم تطور استخدام منصات التواصل الاجتماعي للذكاء الاصطناعي للإشراف على المحتوى، وتحديد وإزالة المحتوى المسيء أو غير اللائق، ومع ذلك واجهت هذه الأنظمة تحديات تتعلق بالتحيز والإيجابيات الكاذبة.، كما اكتسبت تقنية التزييف العميق، التي تستفيد من الذكاء الاصطناعي، سمعة سيئة لقدرتها على إنشاء محتوى وسائط واقعي للغاية، ولكنه كاذب (ملفق).
هناك تطور آخر مرتبط بالإعلام نشهده حاليًّا متعلق بروبوتات الدردشة التي أصبحت مع المساعدين الافتراضيين أمورًا ضرورية في صناعة الإعلام، وقد استخدمت غرف الأخبار أنظمة مختلفة من أجيال الروبوتات لتوفير التحديثات الإخبارية في الوقت الفعلي والإجابة عن أسئلة القراء وحتى إنشاء تقارير إخبارية، وقد أدت هذه الأنظمة إلى تحسين مشاركة الجمهور وتقليل أوقات الاستجابة.
المحادثة وتوليد المحتوى
فوق كل ما ذكرناه أعلاه، نشهد في وقتنا الحالي مع ظهور «شات جي بي تي»، وغيرها تطورًا هائلاً في الذكاء الاصطناعي، من خلال نموذجين، هما الذكاء الاصطناعي للمحادثة (Conversational AI)، والذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI).
ويستخدم الذكاء الاصطناعي للمحادثة لإنشاء وتعزيز المحادثات الطبيعية الشبيهة بالإنسان بين أجهزة الكمبيوتر أو الآلات والبشر، ويركز على تمكين الآلات من فهم وتوليد اللغة البشرية بطريقة تفاعلية وذات صلة بالسياق، وواحدة من نماذجه تقنية التعرف على الكلام (Speech Recognition)، التي تمكن الآلات من تحويل اللغة المنطوقة إلى نص، مما يجعل من الممكن للمساعدين الصوتيين وروبوتات الدردشة فهم الأوامر المنطوقة والاستجابة لها.
أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيشير إلى فئة من أنظمة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي المصممة لإنشاء محتوى جديد، مثل النصوص أو الصور أو الصوت أو حتى الفيديو، والذي يشبه المحتوى الذي أنشأه الإنسان.
مراجعة مطلوبة
أخيرًا، وفي سياق مراجعة إدماج الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام، فإن الأمر لا يخلو من التحديات، وقد ظهرت مخاوف مهنية أخلاقية تتعلق بالخصوصية والتحيز في توصيات المحتوى وظهور تقنية التزييف العميق، وغير ذلك من قضايا مرتبطة بالأثر على العمالة البشرية والفئات المبدعين من رسامين، ومؤلفي الموسيقى، وكتّاب الدراما، وغيرهم.
ومع استمرار تقدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، من المرجح أن يخضع المشهد الإعلامي لمزيد من التحولات، مما يوفر فرصًا وتحديات لأصحاب المصلحة، ومن الأهمية بمكان أن تحقق المؤسسات الإعلامية توازنا بين تسخير قوة الذكاء الاصطناعي ودعم المعايير الأخلاقية لضمان بيئة إعلامية مسؤولة وشاملة في المستقبل.