(صحافة الحلول) .. إشعال شمعة أفضل من رَجَمِ الظـّلام

د. نصر الدين لعياضي

لا غرو إن وصف مناصرو “صحافة الحلول” (Solutions Journalism) جائحة كرونا بالقول المأثور”رب ضارة نافعة”. كيف لا وهم يرون أن المعنى الكامل لهذا الضًّرْب من الصحافة تجلى في ظلِّ الإنزال الإعلامي الكثيف الذي حاول أن يواكب انتشار هذه الجائحة وتداعياتها المخيفة. بالفعل لقد حظي (كوفيد – 19) بتغطية إعلامية مركزة ومتواصلة وغير مسبوقة في تاريخ وسائل الإعلام، فآلاف الأخبار والمواد الصحفية تنشر يوميًّا بكل اللغات عن ارتفاع عدد المصابين بهذه الجائحة  وأشكال انتقال عدواها والتدابير التي اتخذتها الدول للوقاية منها، ناهيك عن المئات من البرامج الإذاعية والتلفزيونية وأشرطة الفيديو التي تتقاسمها وسائل الإعلام المسموعة و”السمعية/البصرية” ومواقع التواصل الاجتماعي الذي تتابع، من دون كلل، خارطة انتشار هذه الجائحة على الصعيدين المحلي والعالمي: إحصائيات مخيفة عن تزايد عدد الوفيات، وشهادات مقلقة عن متاعب الطاقم الطبي في التكفل بالمصابين، وخطب السياسيين والأطباء المنذرة بالخطر القادم مع موجتها الثانية.

باختصار تلتقي كل هذه الأخبار والتصريحات والتحليلات الصحفية التي تتقاسمها وسائل الإعلام المختلفة في رفع منسوب القلق وربما اليأس في أوسط الجمهور. لقد ارتفع هذا المنسوب إلى درجة أن منظمة الصحة العالمية نصحت الناس بعدم الإفراط في متابعة أخبار هذه الجائحة حفاظـًا على صحتهم العقلية؛ لأنها تعلم أن الحجر الصحي الذي طـُبق في العديد من بلدان العالم شجع الناس على متابعة الأخبار بشكل مكثف.

في هذا الجو المشحون بالقلق والخوف اتجهت بعض وسائل الإعلام إلى طمأنة الناس إن لم تبعث فيهم الأمل من خلال تقديم العديد من أمثلة التعاضد والتضامن في هذه المحنة الصحية، واستعراض أشكال العون التي تقدم للمحتاجين سواء في شكل أقنعة ومحلول مطهر ومواد غذائية أو الاطمئنان على كبار السن الذين يعيشون منفردين وفي عزلة وقضاء حاجتهم من السوق، وسعت إلى تقصي الأخبار عن آخر التطورات في مجال العلاج الناجع في مقاومة الإصابة بعدوى (كوفيد – 19). إذ يمكن أن نذكر على سبيل المثال؛ خبر شفاء العجوز الإيطالية التي تبلغ من العمر (95) سنة بعد إصابتها بجائحة (كوفيد – 19)، الذي نشره موقع “هافينغتون بوست” (Huffington Post) الإخباري، وتناقلت صورها وسائل الإعلام المختلفة في العالم لبعث الأمل في المصابين الذين تزايد عددهم مع مرِّ الأيام، ولشققِّ طريق الأمل دائمًا راحت بعض وسائل الإعلام تدرس التجربة الفيتنامية التي قاومت جائحة (كوفيد – 19) بأقل الخسائر الممكنة وأشادت بها منظمة الصحة العالمية، ليس هذا فحسب، بل حاولت فـَهم الخطة التي اعتمدت عليها كوريا الجنوبية والسويد في حماية مواطنيها من هذه الجائحة متمنية أن تستفيد منها بقية الدول الأوروبية التي ارتفع عددضحاياها.

إن السؤال المطروح  كالتالي: هل تمثل الأمثلة التي ذكرت أعلاه “صحافة الحلول”؟ 

ما صحافة الحلول؟   

بدأ مفهوم صحافة الحلول في التداول الواسع في الأوساط المهنية والأكاديمية في عام 1996م، على الرغم من أن ممارستها تعود إلى أكثر من عقدين، وتوصف بالصحافة البناءة، وصحافة الأثر. ويقصد بها تلك الصحافة التي تقوم بتحليل المعلومات المتعلقة بالمبادرات التي تقدم إجابات ملموسة وعملية لمشكلات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ويقول “ألريك هايجروب” (Ulrik Haagerup)، مدير الأخبار في الهيئة الدنماركية للإذاعة والتلفزيون الرسمية، ومؤلف كتاب “الأخبار البناءة” الصادر في عام 2017م، عن هذه الصحافة:  “إنها تحاول توثيق الصلة بجذور الصحافة وتمنح للناس رؤية دقيقة، قدر الإمكان، للعالم الذي نعيش فيه، فالمعالجة الإعلامية الحالية للأحداث تجعل الناس يؤمنون بأن العالم في حالة أكثر سوءًا مما هو عليه في الواقع، فصحافة الحلول لا تتجاهل المشكلات”، ويضيف قائلاً: “إننا نريد من صحافة الحلول أن نكون أكثر مصداقية، تنظر إلى العالم بعينين أثنين، فتظهر الأشياء التي ليست على ما يرام، لكنها تستعرض – أيضًا – تلك الأشياء التي يمكن أن تكون على ما يرام”.

إذًا، صحافة الحلول ليست صحافة الشعور بالاكتفاء الذاتي ومداهنة الأشخاص والمؤسسات، والحديث بلغة “ليس بالإمكان القيام بما هو أفضل مما هو موجود”، فوسائل الإعلام التي تقدم كل شيء بإيجابية مطلقة تبيع الوهم، وتضر جمهورها بالقدر ذاته من الضر الذي تسببه وسائل الإعلام التي ترى سلبية كل شيء ، فالصحافة تملك نظرة سوداوية للعالم، وتسحب النزعة السلبية على كل ما تذكره، تثبط عزائم الجمهور وتدفعه إلى اليأس من تحسين الأوضاع. 

إنّ وجود صحافة الحلول لا يلغي دور الصحافة  كــ”كلب حراسة”، وهي الصفة التي ألصقها بعض الكتَّاب بما تقوم به وسائل الإعلام في البلدان الغربية، فالصحافة البناءة لا تنتج خطابًا تنديديًّا عبر ما تنشره، بل تطرح المشكلات، وتكشف عن التحديات، وتشير إلى الصعوبات، لكنها تبرز في الوقت ذاته الإمكانات  المتوافرة لتجاوزها وتستعرض المبادرات والحلول، وإنّ لم تجد حلاًّ فتكتفي بإبراز تجارب الصمود والمثابرة ومقاومة هذه الصعوبات، وتقدم بورتريهات لأصحابها.

يرى البعض أن صحافة الحلول تستمد مقوماتها من علم النفس الإيجابي، والتي ترجمتها الصحافية الدنماركية “كاترين غيلدنستد”، على صعيد الممارسة بإضافة سؤال “وماذا الآن” إلى الأسئلة الخمسة الكلاسيكية المعروفة في صياغة الخبر الصحفي، وهي: مَن؟ متى؟ أين؟ ماذا؟ ولماذا؟ وهذا تعزيز للمسؤولية الاجتماعية المنوطة بوسائل الإعلام.

الضرورة

لم تعدّْ الحاجة ماسة إلى استخدام صحافة الحلول فحسب، بل إلى ضرورة تطويرها أيضًا، وذلك لجملة من الأسباب، نذكر منها استشراء النزاعات المسلحة المدمرة في العالم، وتنامي الخوف من جنوح الدول إلى التسلح المفرط وتخزين الأسلحة النووية، وتفاقم أثار الاحتباس الحراري على البيئة، والتلاعب الجيني بالمواد الغذائية وتأثيره الخطير في صحة الإنسان، وتزايد ظاهرة التصحر في الكرة الأرضية، وتفشي أوبئة غامضة وغير معروفة لم يصل الأطباء والإخصائيون بعد إلى فك كل أسرارها، وتوالي الأزمات الاقتصادية التي ترافقها في الغالب حروب تجارية، وغيرها من المآسي التي تعج بها نشرات الأخبار في القنوات التلفزيونية، فتبعث على الكآبة والإحباط.

هذا إضافة إلى تنافس وسائل الإعلام من أجل تحقيق السـّبق الصحفي وتدافعهم في نقل الأحداث بشكل مباشر لحظة وقوعها، مما يعيق فـَهم الصحافيين والجمهور لما يجري في العالم لأنه يُبثُّ مجزأ ومبتور في نشرات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية، فتنفخ في بـُعده الدرامي وتشحنه بالإثارة لتتلاعب بمشاعر الجمهور، وتتركه متأرجحًا بين الخوف والذعر.

تؤكد “دونيس بادن”، الأستاذة بجامعة ساوثهامبتون في بريطانيا والمختصة في علم النفس الإعلامي، أن القراء يميلون فعلاً إلى العناوين الصاخبة والمثيرة التي تخيفهم في الصحف، لكنهم يدركون أن الصورة السلبية التي تنقلها وسائل الإعلام لا تعبر عن حقيقة العالم، وهذا الأمر يدركه جيدًا الذين يعانون من التهميش والإقصاء، مثل سكان ضواحي الحواضر الأوروبية الكبرى من أبناء المغتربين، وسكان العشوائيات وأحياء الصفيح من الزنوج وأبناء جنوب أمريكا في الولايات المتحدة الأمريكية الذين يقولون ؛ إن وسائل الإعلام الكبرى لا تتذكرهم إلا إذا حدثت جريمة في حيهم أو تمَّ القبض على أحد أبنائهم الذي يمارس تجارة المخدرات أو في أثناء مشاركتهم في أحداث الشغب، وتتجاهل الأعمال الخيرية التي يشاركون فيها، والمبادرات التي يقومون بها بين الحين والآخر من أجل تنظيف محيطهم وتهيئة ساحات لممارسة الرياضة أو الأنشطة الثقافية، وهذا التجاهل يذكرنا بما جاء في التقرير الذي أعدّه الأستاذ الإيرلندي” شون ماكبرايد” في عام 1981م، عن الخلل العالمي في مجال الاتصال والإعلام، والذي بيّن فيه أنّ بلدان العالم الثالث لا تظهر في كبريات وسائل الإعلام العالمية إلا إذا اجتاحتها الفيضانات ونشب فيها نزاع عرقي مسلح، أو عمّتها المظاهرات وأعمال الشـّغب، أو تعرضت لزلزال قوي، أو إعصار أو كانت مسرحـًا لانقلاب عسكري!

إن جنوح وسائل الإعلام إلى تقديم صورة غير دقيقة عن العالم الذي نعيش فيه قد أدى إلى تراجع ثقة الجمهور فيها بنسب متفاوتة من مجتمع إلى آخر، وتوجه هذا الأخير إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تفلح هي الأخرى في تقديم صورة متوازنة عمّا يجري في المجتمعات”، هذا إضافة إلى أن تكنولوجيا الاتصال الراهنة قد غيرت قواعد الإنتاج والتوزيع للإعلاميين التقليديين، فأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر ما شاء من أخبار غير موثوق فيها، خاصة أن المنافسة بين المنصات الرقمية تشجع على التعجيل في نشر الأخبار أولاً، ثم التحري عن صحتها مع مستخدميها، وأسهمت هذه الممارسة في تزايد الأخبار المزيفة التي تحدث بلبلة في صفوف المتابعين لمستجدات الأحداث التي يحمل بعضها قدرًا كبيرًا من القلق.

تجارب   

يذكر المدافعون عن “صحافة الحلول” العديد من التجارب الرائدة، مثل تلك التي خاضتها  صحيفة “الغارديان” (Guardian The) البريطانية، التي أحتل موقعها في شبكة الإنترنت المرتبة الثالثة عالميًّا عام 2012م، من ناحية عدد زوارها بعد موقعي صحيفة “ديلي مايل” (The Daily Mail) و”نيويورك تايمز” (The New York Times). لقد أنشأت صحيفة “الغارديان” ركنتًا اسمته: “نصف مملوء” (Half Full) في عام 2016م، وحمل العنوان الفرعي التالي: “الحلول، والابتكارات، والإجابات”، وذلك رغبة منها في فتح المجال للتفاؤل والتأكيد على أن تغيير العالم نحو الأفضل يظل في نطاق الممكن، وقد أسهم هذا الركن في كسب عدد جديد من القراء الراغبين في الخروج من قتامة الأخبار.

وخاضت بعض القنوات التلفزيونية بعض التجارب المماثلة في نشراتها وبرامجها الإخبارية، لتعيد النظر في بعض الصور النمطية التي التصقت ببعض البلدان، مثل: مبادرات الفلاحين في كولومبيا لتحويل حقول “الكوكا” التي يصنع منها مخدر الكوكايين، الذي يهرب إلى الخارج، إلى مزارع الكاكاو الذي تصنع منه الشكولاتة، وربورتاجات عن إثيوبيا حرّرتها من صورة الجفاف والمجاعة التي التصقت بها ردحـًا من الزمن، لتفسر كيف أصبحت بلدًا صناعيًّا حديثـًا جاذبًا للاستثمارات وذات طراز معماري معاصر، وربورتاجات عن روندا التي تغلبت على آثار حربها الأهلية المدمرة لتصبح البلد النموذج في إفريقيا في مجال التطور الاقتصادي والتنمية الاجتماعية ونظام الحوكمة (governance)، والربورتاجات التي تنقل المبادرات التي قامت بها بنغلاديش لصدِّ سيول الفيضانات التي كانت تغمر العاصمة داكا، وغيرها من المبادرات الإيجابية في كثير من مناطق العالم.

لا يفهم مما سبق أن “صحافة الحلول” تهتم بالشأن الخارجي فقط، بل إنها وجدت أساسًا لمعالجة القضايا المحلية من أجل تحرير المبادرات الفردية والجماعية ودفع المواطنين للاهتمام بالقضايا ذات الصلة بالشأن العام، مثل تلك التي ترمي إلى امتصاص البطالة، وتحسين ظروف المعيشة، ومكافحة التلوث وحماية البيئة، والوقاية من الأمراض، والقضاء على الأمية، وتمكين المواطنين من الثقافة والعلاج وغيرها.

لقد أضحت “صحافة الحلول” تقليدًا راسخـًا في بعض المؤسسات الإعلامية، فهيئة الإذاعة والتلفزيون الدنماركية تبثُّ يوميًّا ربورتاجين وفق متطلبات هذه الصحافة. ودأبت الصحيفة السويسرية ” تاغس أنزيغر” (Tages Anzeiger) على نشر مادة صحفية يوميًّا تنتمي إلى “صحافة الحلول”.

لقد تحولت “صحافة الحلول” إلى حركة اجتماعية مدنية تستقطب كثير من ممتهني العمل الصحفي والفاعلين في المجتمع المدني في أكثر من بلد، يمكن أن نذكر على سبيل المثال؛ الجمعية الفرنسية المسماة “مراسلو الآمال” التي تصدر منشورات وموضوعات تخدم فلسفة هذا الضرب من الصحافة، وقد امتدت هذه الحركة إلى العالم الافتراضي، حيث تمَّ إنشاء منصة رقمية بعنوان: “سبارك نيوز” (Sparknews)، وهي عبارة إنجليزية مركبة من كلمتين: “نيوز” وتعني الأخبار، و”سبارك” وتعني التحفيز، أي الأخبار المحفزة على الفعل والنشاط، وهذا ما تحاول القيام به في نشاطها اليوم، إذ دعت إلى تخصيص يوم  25 يونيو، ليكون يومًا عالميًّا لصحافة الحلول، وقد شاركت فيه (55) صحيفة عالمية في عام 2016م، تمَّ فيه تبادل نماذج من صحافة الحلول ونشرها مجانـًا ليطلع عليها القراء من مختلف البلدان. ويقول “كريستيان دو بوسردون” (Christian de Boisredon) الذي أنشأ هذه المنصة في عام 2012م: “إننا نريد من الصحافيين أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: ألا يوجد أي طريق آخر، حل آخر كلما تناول مشكلة أو قضية في كتابتهم الصحفية؟”

لقد نشأت برامج إذاعية وتلفزيونية وصحف ومجلات في كنف حركة “صحافة الحلول” مثل مجلة “أسبك وريكا” (Usbek & Rica) الأسبوعية الفرنسية التي أصبحت تباع عن طريق الاشتراك فقط، وهذا ما أدى بكثير من محترفي العمل الإعلامي إلى الاعتقاد بأن الصحافة البناءة ستخرج الصحافة ككل من أزمتها.

المنقذة

لعل محترفي العمل الصحفي في فرنسا هم الأكثر تفاؤلاً بمقدرة صحافة الحلول على معالجة أزمة الصحافة، وهذا انطلاقـًا من النجاحات التي حققتها بعض الصحف الفرنسية التي أوشكت على الإفلاس، مثل صحيفة “نيس ماتن” (Nice Matin) في عام 2014م. يقول المسؤول عن قسمها الرقمي: “إنّ توجهنا إلى صحافة الحلول رفع عدد المشتركين في موقعنا في شبكة الإنترنت من (2000) إلى (6000) مشترك، وأن الفيديو الذي تمََّ بثــّه عبر موقع “فيسبوك”، والذي شرحنا فيه كيف أن مدرسة في فرنسا استطاعت أن تقلل من نفايتها بنسبة (80%) قد شاهده أكثر من (1.7) مليون شخص، وتمَّ تقاسمه (30) ألف مرة!

واستطاعت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية رفع عدد مبيعاتها في السوق بنسبة (24%)، وهذا بفضل ما تنشره من مواد تصـّبُ في خانة “صحافة الحلول”، وقد برهنت هذه التجارب وغيرها بأن سعر الإعلانات التي تنشر أو تبثُّ في الربورتاجات التي تندرج في الخانة ذاتها تكون في الغالب أغلى من مثيلتها التي تبثُّ في بقية البرامج.

إن القول: إنممارسة الصحافة البناءة تشكل مخرجـًا للصحافة من أزمتها العامة يحتاج إلى نقاش متعمق، لأنه يحمل قدرًا كبيرًا من التفاؤل، فسُنُونُو (خُطّاف) واحد لا يصنع الربيع كما يقول المثل الفرنسي.