لماذا تراجع الاهتمام بالأفلام التسجيلية؟!

عماد عبد المحسن




تزخر دول الخليج العربية بالكثير من الكنوز والرموز، أعني أن كثيرًا من الكنوز التراثية من تراث مادي مثل العمارة التراثية، وتراث غير مادي مثل العادات والتقاليد وما أجملها في دول الخليج العربية، إضافة إلى الرواد في كافة المجالات، وما أكثرهم، وجميع هذه المميزات بحاجة إلى التوثيق واللحاق برواتها الذين بلغوا من الكبر عتيًّا – متعهم الله بالصحة والعافية.

وتشكل الأفلام التسجيلية والوثائقية أهمية خاصة لدى المشاهد، فهي توثيق بالصورة لأحداث ووقائع وأماكن وشخصيات مهمة أثرت الوجدان، وهي ذاكرة تحتفظ للأجيال القادمة بكنوز تراثية وأثرية وبشرية تضيء لها المستقبل، وتكون لها مثار العزة والفخر.

وقد تربينا على مشاهدة مثل هذه الأفلام، وتعرفنا على الكثير من الكنوز من خلالها، واستعرضت الكثير من الأحداث التي مر بها وطننا الكبير من المحيط إلى الخليج، واستشهدت هذه الأفلام بشهادات ووثائق نادرة تحرت فيها الدقة وشارك في إعداد هذه الأفلام خبراء ومتخصصون مشهود لهم بالكفاءة والخبرة.

وعلى الرغم من أن القنوات الفضائية الخاصة قد استحدثت قنوات اختصت بهذه النوعية من الأفلام، إلا أن نقطة انطلاق هذه الأفلام كانت من هيئات الإذاعة والتلفزيون الرسمية.

لكننا لا زلنا بحاجة إلى المزيد من إنتاج هذه الأفلام من قبل أجهزة التلفزيون الرسمية، أو على الأقل مواكبة التطورات التي تجري في دول الخليج العربية والتي يشهد بها القاصي والداني، سواء كانت تطورات من حيث الريادة في مجالات تنموية عديدة، أو صون التراث كما ذكرنا، أو الأحداث الجارية والتي يشكل بعضها مراحل تاريخية مهمة.

ولا ينقص أجهزة التلفزيون الرسمية الكوادر القادرة على القيام بهذه المهام، سواء من حيث الإعداد أو الإخراج، أو كافة العناصر الأخرى القادرة على تقديم أفلام تسجيلية ووثائقية رفيعة المستوى، لكن قد تواجهنا عدة مشكلات على أرض الواقع، من بينها التكلفة الإنتاجية، وهنا لا بد من القول من أن تكلفة إنتاج الأفلام الوثائقية أقل من تكلفة إنتاج المسلسلات الدرامية على سبيل المثال، كما أن إنتاج مثل هذه الأفلام يمكن أن يتم بالشراكة بين القنوات الخاصة والرسمية، أو من خلال رعاة يسهمون في هذه التكاليف، كما أنها رسالة ثقافية وإعلامية مهمة تستحق أن يتم استقطاع جزء من ميزانية القنوات من أجلها.

المشكلة الأخرى على مستوى الصورة، فلا زلنا في بعض القنوات بحاجة إلى الاستعانة بتقنيات أكثر حداثة من المتوافرة من حيث “الكاميرات – العدسات.. إلخ”، وهو أمرٌ في غاية الأهمية، خاصة إذا أردنا جذب المشاهدين لتلقي معلومات ستزيدهم ثقافة ومعرفة بمقدرات أوطانهم.

ومن الأهمية بمكان العمل على أن يصاحب هذه الأفلام ترجمة إلى لغات أخرى وخاصة اللغة الإنجليزية، ليس فقط من أجل عرضها مصحوبة بهذه الترجمة، ولكن هناك سفارات لكل دولة في كافة أنحاء العالم، ومستشارون ثقافيون لكل بلد، يمكنهم عرض هذه الأفلام، للترويج السياحي، والتعريف بحضارتنا، وتقديم أوطاننا في أبهى صورة.

وما المانع في أن يتم شراء دقائق أو ساعات لبث أفلام وثائقية يتم إذاعتها عبر القنوات الشهيرة عالميًّا؟ لتوضيح الصورة المستنيرة لدول العالم العربي والإسلامي.

بل إن وزارات التربية والتعليم أصبحت تستعين بتقنيات حديثة في تعليم أبنائنا الطلاب، فما المانع أن تخصص بعض “الحصص” للثقافة العامة، يكون من بينها عرض أفلام وثائقية وتسجيلية، تستعرض تراث الوطن وخصائصه التي يتميز بها، من أجل نشر الوعي، وتعميق مفاهيم الوطنية والانتماء لدى أبنائنا.

وإنني أقترح – أيضًا – تنظيم مسابقات بين المؤلفين والمخرجين لكتابة وإخراج أفلام وثائقية تدور حول موضوعات معينة، من أجل اكتشاف الموهوبين والمبدعين وإتاحة الفرصة لهم لتقديم أفكارهم ورؤاهم، وفي نفس الوقت، الفوز بأعمال جديدة مبتكرة، تضاف إلى المكتبة السمعبصرية.

وفي هذا الصدد أود أن أشير إلى أن مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون الذي ينظمه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج لمجلس التعاون لدول الخليج العربية بالتعاون مع وزارة الإعلام في مملكة البحرين، يضم ضمن مسابقاته، مسابقة للبرامج التسجيلية للتلفزيونات الرسمية للهيئات الأعضاء ولشركات القطاع الخاص والأفراد من دول مجلس التعاون، وهي مسابقة تعمل على التنافس بين التلفزيونات الرسمية والشركات والأفراد من أجل إنتاج أفلام تسجيلية متميزة، وهي خطوة نحتاج أن نبني عليها.

كما أن هناك العديد من المهرجانات التي تضع ضمن أقسام مسابقاتها مسابقة للأفلام التسجيلية والوثائقية، بل إن مهرجان الإسماعيلية في مصر، ينفرد بأنه مخصص تمامًا للأفلام التسجيلية والقصيرة على مستوى العالم.

وهنا لا بد أن نذكر أن العديد من المخرجين الذين أصبحوا ملء السمع والبصر انطلقوا في بداياتهم من إخراج أفلام وثائقية متميزة، ثم انتقلوا بعد ذلك إلى إنتاج أفلام روائية طويلة، وعلى الجانب الآخر ظل بعض المخرجين المبدعين باقون على العهد، في الاستمرار في إخراج أفلام وثائقية لا زالت محفورة في الوجدان.

لذا فإن الحفاظ على تاريخ هذه الأعمال التسجيلية وصونها بما يتيح عرضها بذات الجودة أمرٌ في غاية الأهمية، فهي ذاكرةٌ احتفظت بالعديد من المعلومات والصور التي قد تكون قد تبدل حالها في وقتنا الحالي.

إن الأمر يحتاج إلى الاهتمام وفتح آفاق التعاون، والتحفيز والتشجيع، فما أكثر التحديات التي نواجهها، وعلينا أن نتصدى لها بالفكر والفن والثقافة، فهي في طليعة مميزات أوطاننا وتفردها بين الأمم.