الذكاء الاصطناعي في الميزان التربوي

د. نجوى بنت ذياب المطيري



يشهد العالم المعاصر ثورة رقمية غير مسبوقة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يعد مجرد ابتكار تقني أو أداة لأتمتة العمليات، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل سلوك الإنسان ونمط حياته وعلاقاته الاجتماعية والنفسية.

وقد توسعت تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتشمل مجالات عدة، بدءًا من التعليم والعمل والتسوق والتواصل الاجتماعي، ووصولًا إلى الترفيه وإدارة الحياة اليومية، مما أدى إلى تغييرات عميقة في السلوك الإنساني والبنية الاجتماعية، وأعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والآلة.

    يُعد الذكاء الاصطناعي اليوم عاملًا أساسيًّا في إعادة تشكيل الإدراك البشري، إذ لم يعد الإنسان مجرد مستخدم للتقنية، بل بات يعيش ضمن فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات في قراراته واختياراته اليومية، وهذا ما يسميه الباحثون بـ”الاعتماد الإدراكي” (Cognitive Reliance)، حيث يثق الأفراد في نتائج الأنظمة الذكية أكثر من قدراتهم الذاتية على التحليل واتخاذ القرار (Sparrow et al., 2011). ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الاعتماد إلى تراجع مهارات التفكير النقدي والاستقلالية العقلية، وينشأ جيلًا يفضّل الحلول الجاهزة على البحث الذاتي والتأمل، مما يقلل قدرة الأفراد على مواجهة المواقف المعقدة.

   على الصعيد السلوكي، أفرز الذكاء الاصطناعي مجموعة من التحولات الملحوظة، فالاعتماد على السرعة والدقة الفورية التي توفرها الأنظمة الرقمية جعل الأفراد أكثر استعجالًا وأقل صبرًا، وأصبح الإشباع الفوري قاعدة سلوكية، حيث تتراجع قيمة المثابرة والانتظار لصالح تحقيق النتائج السريعة، وقد لوحظ أن أنماط التواصل تأثرت بشكل جذري، إذ حلت التفاعلات الافتراضية محل اللقاءات الواقعية، وظهر ما يُعرف بـ”العزلة التفاعلية” (Interactive Isolation)، حيث يبقى الفرد متصلًا افتراضيًّا مع شبكة واسعة لكنه يفتقد التواصل الحقيقي والدفء الإنساني، مما أدى إلى ضعف الروابط الاجتماعية وزيادة الشعور بالوحدة. (Turkle, 2015).

   أما على الصعيد الاجتماعي، فقد أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل البنية المجتمعية نفسها، إذ سمحت الخوارزميات بإنشاء “فقاعات رقمية” (Filter Bubbles) لكل مستخدم، حسب اهتماماته السابقة، مما أدى إلى تضييق مساحة الحوار والحد من التنوع الثقافي (Pariser, 2011). ونتيجة لذلك، أصبح التفاعل الاجتماعي أكثر اختيارية وتفضيلية، ما يعزز الانغلاق الفكري ويحد من التعرض للأفكار والآراء المختلفة، كما أسهم الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة القيم المجتمعية، حيث بات معيار النجاح مرتبطًا بالكفاءة التقنية والقدرة على التعامل مع الأدوات الرقمية، على حساب القيم الإنسانية التقليدية مثل الصدق والتعاون والإخلاص، مما أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ “الفرد الرقمي” الذي يقيس نجاحه وفق توافقه مع البيئة الافتراضية أكثر من توافقه مع ذاته أو مجتمعه الواقعي.

   وفي البُعد النفسي، يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي ليكون أكثر تعقيدًا، فمن جهة توفر التطبيقات الذكية شعورًا بالقدرة والسيطرة على الحياة اليومية، إذ يمكن للإنسان إنجاز مهام معقدة بسرعة ودقة عالية، مما يعزز شعوره بالكفاءة، ومن جهة أخرى، يؤدي الاعتماد المفرط على هذه التقنيات إلى شعور بالعجز والتهديد، سواء من احتمال الاستبدال بالآلة أو من مراقبة الأنظمة للأنشطة الفردية، مما يولّد توترًا نفسيًّا مستمرًا.

وقد أظهرت دراسات علمية عديدة ارتباط الاستخدام المكثف للتقنيات الرقمية بزيادة معدلات القلق والاكتئاب، وارتفاع مستويات التوتر، خصوصًا لدى المراهقين والشباب، نتيجة العزلة الاجتماعية والإدمان الرقمي والسعي المستمر للحصول على القبول الافتراضي. (Twenge & Campbell, 2018).

إضافة إلى ذلك، يؤثر الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في القرارات اليومية على الاستقلالية العقلية والقدرة على التفكير النقدي، إذ يعتاد الأفراد على تلقي الإجابات الجاهزة والمقترحات التلقائية، مما يضعف مهارات التحليل والتفكير العميق، ويزيد من شعور الاعتماد النفسي على الآلة، ويؤدي ذلك إلى حالة من القلق المزمن والشعور بعدم القدرة على التحكم الكامل في الحياة، وهو ما يُعرف علميًّا بـ”الاعتماد النفسي الرقمي”. (Digital Cognitive Dependence).

على المستوى الاقتصادي والثقافي، يعيد الذكاء الاصطناعي صياغة سلوك المستهلكين والتوجهات الثقافية، فقرارات الشراء والتفضيلات الفنية والمواقف الفكرية باتت تُوجَّه غالبًا عبر توصيات خوارزمية دقيقة، تُحلل البيانات الفردية وتؤثر في الاختيارات دون وعي كامل من المستخدم، وبهذا تتشكل علاقة جديدة بين الإنسان والتقنية تقوم على الثقة المفرطة بالآلة، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع قدرة الفرد على اتخاذ القرارات المستقلة، مما يعزز القلق النفسي ويضعف الشعور بالمسؤولية الذاتية.

على الرغم من هذه التحديات، لا يمكن إغفال الإيجابيات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، من تحسين جودة الحياة، وتبسيط الخدمات، وتمكين الأفراد من الوصول السريع للمعلومات، وإتاحة فرص للإبداع والتنمية، لكن التحدي يكمن في الاعتماد غير المتوازن وغير الواعي، إذ يصبح الإنسان مهددًا بفقدان دوره في صنع القرار، وبتراجع مهاراته الاجتماعية والنفسية، وهو ما يفرض ضرورة تعزيز الثقافة الرقمية الواعية، وتنمية مهارات التفكير النقدي، وتعليم الأفراد كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة توازن بين الاستفادة من إمكانياته والحفاظ على رفاهيتهم النفسية والاجتماعية.

إن الذكاء الاصطناعي في ميزان المجتمع يشكّل تحديًّا حضاريًّا مزدوجًا؛ فهو يحمل وعدًا بمستقبل أكثر رفاهية وتطورًا، لكنه في الوقت ذاته يهدد تآكل القيم الإنسانية وتراجع التواصل البشري الأصيل، ومن هنا، تبرز ضرورة إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة على أساس الوعي والتوازن، بحيث تبقى التكنولوجيا وسيلة لخدمة الإنسان لا وسيلة للتحكم فيه.

فحين ينجح الإنسان في جعل الذكاء الاصطناعي امتدادًا لعقله لا بديلًا عنه، يتحول هذا التقدم إلى أداة للنهوض الإنساني لا سببًا في اغترابه وانعزاله، وهكذا فقط يمكن بناء مستقبل يدمج بين التطور التقني والعمق الإنساني، ويجعل من الذكاء الاصطناعي وسيلة لبناء مجتمع أكثر وعيًّا وتكاملًا وإنصافًا، مع إدراك واضح للسلبيات النفسية والاجتماعية المحتملة مثل القلق، والاكتئاب، والإدمان الرقمي، وضعف التفكير النقدي، والانغلاق الفكري والاجتماعي.