الروبوت والإنسان .. مخاوف وتحديات

د. ذكرى يحيى القبيلي أستاذ اللسانيات المشارك بجامعة الملك سعود

يتجدد الحديث عن تطورات عالم الروبوتات وتوسع اعتماد عدد من الشركات الكبرى على مجال الذكاء الاصطناعي، والتأكيد على أن نطاق عمل الروبوتات سيتجاوز إلى مجالات أوسع.

وقد قامت شركة أمازون بأول عملية توصيل منزلي باستخدام طائرة من دون طيار في بريطانيا، بالإضافة إلى إطلاقها سلسلة متاجر “أمازون غو” بهدف القضاء على طوابير الانتظار في المتاجر، كما أن عددًا من شركات التكنولوجيا بدأت في تعليم الآلات كيفية الرد على التساؤلات، وحل المسائل شديدة التعقيد، وتحليل أحجام هائلة من البيانات بسرعة فائقة، وظهرت السيارات ذاتية القيادة والطائرات من دون طيار.

لكن تتابع أخبار المنجزات حرك المخاوف من أن تحلَّ الروبوتات محل البشر وتستولي على وظائف كانت مقتصرة عليهم، فتقل مصادر الدخل وفرص التوظيف وتتزايد البطالة.

تقول المجموعة الاستشارية (أكسفورد إيكونوميكس) وهي شركة خاصة تهتم بالبحوث والاستشارات ومقرها في بريطانيا: إن أجهزة الروبوت استولت على ملايين الوظائف في مجال التصنيع، وأخذت تتمدد إلى قطاع الخدمات، وهذا سيصعب على العمال ذوي المهارات المحدودة العثور على وظائف في أي مكان آخر، وإن أجهزة الروبوت ستستحوذ على حوالي (20) مليون وظيفة في أنحاء العالم بحلول عام 2030م، كما عزّز هذه المخاوف تقرير صادر في عام 2015م، عن شركة “ديلويت” للمحاسبة؛ أن الروبوتات ستحتل الوظائف الإدارية في المكاتب، وأكد تقرير آخر عن شركة ماكينزي للاستشارات أن وظائف الخدمات الغذائية والتصنيع هي من بين الوظائف التي ستسيطر عليها الروبوتات وتحل محل البشر، وقدّر كبير الاقتصاديين في بنك إنكلترا أن حوالي (15) مليون وظيفة في سوق العمل البريطاني ستذهب إلى الروبوتات، فيما ذكرت أبحاث أن (47%) من العمال الأميركيين مهددون بسبب الروبوتات خلال السنوات العشرين المقبلة.

وفي فبراير 2019م، انعقدت “قمة الحكومات” في دبي وذكر خلالها رئيس تحرير شبكة “نو وير الإخبارية” (ناتانيال بارلينغ) أن الصحف فقدت السيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي بصورة شبه كلية! وأن الذكاء الاصطناعي بات يقدم مواد صحافية أكثر موضوعية وأعمق مصداقية من البشر، مضيفًا أنه يجب ألا نخشى من قدوم الروبوت إلى عالمنا لو كنا نعي ونفكر في مصلحتنا.

نعم يجب ألا نخشى من قدوم الروبوتات، فبالمقابل ستوجد وظائف جديدة كما يؤكد الخبراء، كما أن على البشر تطوير مهاراتهم وتجويد أدائهم وخبراتهم، وقد ذهبت دراسات إلى أن هناك تضخيمـًا وتهويلاً في حجم الوظائف المهدرة في سوق العمل، من ذلك دراسة صادرة عن المركز الأوروبي للأبحاث الاقتصادية تقول: إن (9%) فقط من وظائف سوق العمل الأميركية، و(10%) من وظائف سوق العمل البريطانية ستقوم بها الآلات، وقال بول والاس في مقال نشرته وكالة رويترز عام 2017م: إن المخاوف المثارة مبالغ فيها، وأن التقارير التي تتحدث عن عدد الوظائف التي ستذهب للروبوتات أغفلت الحديث عن عدد الوظائف التي سيجري إيجادها في المقابل، وبعض الوظائف ستحتاج قدرًا من المهارة والتفكير والخبرة لا يتوافر لدى الآلات، مثل: وظائف السجلات المحاسبية والمحاسبة عمومًا التي تتطلب تفاعلات اجتماعية واسعة النطاق.

وعلق أحد العلماء الذين أسهموا في صناعة الروبوت بقوله: “إن هذا التطور الجديد لا يعني أن الروبوتات ستحل محل الإنسان في الأعمال الصحفية، فهذه الآلات قادرة على كتابة الكلمات والرموز، كما أنها تقوم بكتابة النصوص القصيرة والطويلة أيضًا، لكنها غير قادرة على إجراء المقابلات الصحفية أو طرح الأسئلة على الناس.

وفي المؤتمر السعودي للروبوتات، والذي نظمته الهيئة الملكية للجبيل وينبع في مركز الملك عبد الله الحضاري بالجبيل الصناعية في مارس 2019م، قال المهندس فيصل الخالدي، مدير الخبراء في وحدة التحول الرقمي الوطني: إن نماذج الأعمال الجديدة ستغير من هيكلة مؤسساتنا الإدارية في السعودية وطريقة اتخاذ القرار، وهو ما يجعل التحول الرقمي ضرورة قصوى وليس مجرد رفاهية جانبية، وأضاف إنها ستفتح الباب للكثير من الوظائف ذات القيمة العالية والتي تتطلب مهارات متخصصة، وهي ذات عائد أكبر على رأس المال البشري.

وتؤكد المجموعة الاستشارية (إكسفورد إيكونوميكسفإن) أن زيادة الاعتماد على التشغيل الآلي سيعزز الإنتاج والنمو الاقتصادي، ويوفر وظائف كثيرة بالقدر نفسه الذي يقضي به على أخرى.

     وأخيرًا فالخبراء، كما يقول ياس خضير البياتي، يؤكدون أن الذكاء البشري سيستمر دومًا بالتفوق على الذكاء الاصطناعي؛ لأن الذكاء البشري يمتلك خليطًا متقدمًا وهائلاً ومعقدًا من مهارات التفكير المنطقي، والاستنتاج متعدد المستويات، والمنظومات الأخلاقية، والضوابط السلوكية، والوعي لنوازع الخير والشر، والاتصال متعدد الأوجه، والشعور تحت مختلف الظروف، وتقييم المشكلات والمخاطر الاستباقية، والإدراك العاطفي، والتفاعل الاجتماعي، والبديهة غير المتوقعة، والتأويلات الإبداعية.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin