التلفزيون واليوتيوب: تنافس أم تكامل؟

د. نصر الدين لعياضي



بعد مرور عشرين عامًا من الوجود انتقلت منصّة اليوتيوب من بثّ شرائط الفيديو، التي كان الهواة يسجلونها بكل نقائصها الفنية، إلى منصّة ترفيه رقميّة كبرى تُسهم بقوة في تطوير أسواق المنتج “السمعي/البصري”. إنها الأسواق التي ظلّ التلفزيون يسيطر عليها لمدة تقارب نصف قرن، حيث انتقل من البثّ عبر الأقمار الصناعية إلى البثّ عبر الكيبل وصولًا إلى البثّ المباشر.

لقد أضحت هذه المنصة تنافس كبريات شركات البثّ وتوزيع المواد “السمعيّة/ البصريّة”، بعدد مستخدميها النشطين الذين بلغوا في يناير 2025م، مليارين ونصف شهريًا حسب موقع “ستاتيستيكا”، وقاموا بتحميل (500) ساعة في الدقيقة من شرائطها، وتبثّ في كل دقيقة (300) شريط فيديو جديد، ومن المرشح أن يرتفع عدد هذه الساعات بتزايد عدد مستخدميها.

إنّ المكانة التي أصبحت تتصدرها منصّة اليوتيوب أمام بقية المنصّات المماثلة: “نتفليكس (Netflix)، وأمازون برايم (Amazon Prime)، ودلي موشن (Dailymotion)” جدّدت السؤال التالي: هل تنافس منصّة اليوتيوب القنوات التلفزيونية أم تكملها؟

لقد تحولت الإجابة عن هذا السؤال إلى سجال أحدث انقسامًا في صفوف محترفي العمل التلفزيوني ومنتجي المحتوى “السمعي/البصري”، بين مؤكد بأنها منافس خطير يسهم في احتضار التلفزيون، ومن يراها مكملًا له يمدّد مجال انتشار منتجاته ويثري جماليتها.

لقد تشنج هذا السجال بعد أن أبدى مدير التلفزيون الفرنسي “القناة الأولى الخاصة” رأيه الذي أراده فاصلًا، لقد قال: “بإنه لا يجب مقارنة مطعم كبير فخم يقدم وجبات فاخرة بدكان صغير يبيع شطائر اللحم والجبن، أي لا يجب مساواة الخدمات التي تقدمها القناة التلفزيونية بتلك التي تقدمها المنصّات الرقميّة المختصة في بثّ شرائط الفيديو”.

لقد أثار هذا الرأي غضب ملاك المنصّات الرقميّة الأمريكية المختصة في بثّ شرائط الفيديو عبر شبكة الإنترنت، فردت عليه “جوستين ريست”، المديرة العامة لمنصّة اليوتيوب بفرنسا، بقولها: “إن المنصّات الرقميّة مثل اليوتيوب، لم تعد تكتفي ببثّ شرائط الفيديو القصيرة، وأضحت تخضع لسلطة ضبط الاتصال “السمعي/البصري” والرقمي الفرنسي وللقانون الأوروبي، لذا لا يجب الخلط بين كُلْفَة الإنتاج “السمعي/البصري” وقيمته الجمالية والثقافية”، وهكذا أعادت السجال المذكور إلى نقطة الانطلاق.

لفهم هذا السجال لا بد من التساؤل عن حجج كل طرف: المؤمنون بفكرة التنافس بين التلفزيون ومنصّة اليوتيوب والمدافعون عن فكرة تكاملهما:

منطق المؤمنين بالتنافس

تؤكد البحوث الميدانية في أكثر من بلد غربي أن متوسط الوقت الذي يخصصه المشاهد لمتابعة برامج التلفزيون تراجع، ففي فرنسا على سبيل المثال، بلغ ثلاث ساعات و(19) دقيقة في اليوم خلال عام 2023م، بعد أن كان يخصص له ثلاث ساعات و(50) دقيقة في عام 2012م، وهذا على الرغم من تعدّد البرامج التلفزيونية وتنوعها نتيجة ارتفاع عدد القنوات التلفزيونية بفعل الاستغناء نهائيًّا عن البثّ الإذاعي والتلفزيوني التناظري، وسيطرة البثّ الرقمي.

وتشهد جميع الإحصائيات على أن جمهور التلفزيون شاخ، فقطاع واسع ممّا تبقى منه تشذّر وتوزع على مختلف وسائل العرض التلفزيوني ومنصّاته، ومنها منصّة اليوتيوب، فنسبة كبرى من الشباب الذين يتراوح أعمارهم ما بين (13 – 24) عامًا، انصرفت عن مشاهدة التلفزيون، إذ أن (21%) منهم أصبحوا يقضون وقت فراغهم في مشاهدة شرائط الفيديو في شبكة الإنترنت، مقابل (16%) منهم لازالوا يتابعون برامج التلفزيون التقليدي، حسب التقرير الذي أعده مركز أبحاث الترفيه “هوب إنترتينمت ريسيرش” (Hub Entertainment Research) في يونيو 2025م.

ويتجلى أثر هذا الانصراف أكثر في زمن ذروة البث التلفزيوني، وهذا الواقع يؤكده البحث الميداني الذي أُجْري على (2920) مشاركًا في ألمانيا تحت إشراف، أوليفي بودزنسكي، أستاذ اقتصاد الميديا في الجامعة التقنيّة في إلميناو بألمانيا، حيث أوضح أن (48%) من المشاركين يعتبرون منصّة اليوتيوب بديلًا للقنوات التلفزيونية، وأن أغلبهم من الشباب.

إن ما يثبت التنافس بين التلفزيون ومنصّة اليوتيوب تكشفه النزاعات القانونية، ففي عام 2006م، أي بعد سنة من شروع هذه المنصّة في بثّ شرائط الفيديو، طالبت بعض القنوات التلفزيونية، خاصة الأمريكية، منها سحب منتجاتها، من أغاني وموسيقى، وحتى تغطيات الألعاب الأولمبية التي جرت في شتاء ذاك العام، لعدم التزامها بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وعلى إثر هذا النزاع فرضت منصّة اليوتيوب على مشتركيها عدم إرسال شرائط الفيديو التي تتجاوز مدة بثّها عشر دقائق.

لقد استخدمت شركة “غوغل” المالكة لمنصّة اليوتيوب خبرتها، فحلّت نزاعها مع بعض القنوات التلفزيونية بالطريقة ذاتها التي استخدمتها مع الصحف التي احتجت على استغلال محرك بحثها لمنشوراتها، فأبرمت اتفاقية مع القنوات التلفزيونية لترخّص لها بعرض منتجاتها مع ومضات إعلانية، واقتسام عائداتها المالية، وهكذا جلبت منصّة اليوتيوب للقنوات التلفزيونية مصدرًا ماليًّا غير تقليدي يعزّز وضعها الاقتصادي.

منطق المؤمنين بالتكامل

يتساءل البعض، أين هو هذا التنافس وأعداد متزايدة من مستخدمي منصة اليوتيوب يتابعون معروضاتها على شاشة التلفزيون؟ ففي الولايات المتحدة الأمريكية أصبح جهاز التلفزيون أول حامل لشرائط منصّة اليوتيوب، وتأتي في المرتبة الثانية فرنسا، حيث ينفي مديرها العام ذاته، نيل موهان، هذا التنافس بقوله: “إن مستخدمي منصّته أصبحوا يشاهدون شرائطها على مختلف الحوامل: شاشة التلفزيون، والكمبيوتر، والهاتف الذكي، واللوح الإلكتروني”.

يبيّن الكثير من البحوث التي أجريت في أكثر من بلد، حتى في البلدان السائرة في طريق النمو، مثل الهند، أن الجمهور يستعمل منصّة اليوتيوب إضافة إلى التلفزيون وليس بديلًا عنه.

تطمئن المديرة العامة لــيوتيوب في فرنسا، جوستين ريست، ملاك القنوات التلفزيونية العامة والخاصة بأن منصّتها ليست منافسة لقنواتهم، إذ بإمكانهم جني ما يعتبرونه واجهتم فيها، ويحولون المهتمين بهذه الواجهة إلى مشاهديهم الأوفياء عبر اشتراكهم المدفوع لمتابعة بعض برامجهم، ثمّ تضيف قائلة: “ألم تلجأ القنوات التلفزيونيّة إلى استضافة صناع شرائط الفيديو والمؤثرين في منصّة اليوتيوب في برامجها المختلفة؟ وبهذا عجلت في التقارب بين منصّة اليوتيوب والقنوات التلفزيونية”.

من يتابع المشهد “السمعي/البصري” يؤكد بأن الأمر تعدى التقارب، فمنصّة اليوتيوب تبنت إستراتيجية تتسم بقدر من التنوّع والمرونة، فمن جهة اتجهت منذ عام 2021م، إلى إنشاء خانة خاصة بشرائط الفيديو القصيرة التي لا يستغرق بثّها أكثر من دقيقة، وسعت من جهة أخرى إلى القضاء على الصورة النمطيّة التي التصقت بالشباب، والتي مفادها أنهم ميالين إلى المواد الترفيهية والثقافية الخفيفة التي لا تأخذ من وقتهم سوى بعض الدقائق إن لم تكن ثوان.

وقد نجحت في ذلك، إذ شرعت في بثّ المواد الثقافية الطويلة، مثل الأفلام الوثائقية، وقد خدم هذا النجاح القنوات التلفزيونية التي كادت تفقد الأمل في الشباب الذي شاع عنهم نفورهم من البرامج الطويلة، بعد أن صالحتهم منصّة اليوتيوب مع هذا النوع من الإنتاج “السمعي/البصري”، وهذا لم يمنع بعض القنوات التلفزيونية من اقتفاء أثر منصّة اليوتيوب، فشرعت في بثّ برامج المسابقات في مجال المنوعات الغنائية والموسيقية والفيديو كليبات، بل قامت بعض الشركات الكبرى بإطلاق قنوات تلفزيونية متخصّصة في الفيديو كليب والموسيقى، مثل قناة “إم تي في هيتس” (MTV Hits) التي أُريد لها أن تكون نسخة أوروبية للقناة الأمريكية فجمعت العديد من القنوات الموسيقيّة، وشرعت في بثّ شرائط الفيديو كليب والغناء التي حظيت بالمراتب الأولى في تصويت الجمهور وحققت نجاحًا مؤكدًا.

لقد فهم “سن ماك مانيوس”، رئيس قناة “سي بي إس نيوز ” (CBS News)، على سبيل المثال، هذا التحول جيدًا وبرّره بالقول: “إن فلسفة قناته تجاه منصّة اليوتيوب قد تغيرت اليوم، فعوضًا من محاربتها، اتخذناها واجهة لقناتنا”.

ربما يوجد تنافس خفي بين ملاك شركات الترفيه “السمعي/البصري” العملاقة: “القنوات التلفزيونية الكلاسيكية، ومختلف المنصّات الرقميّة، بما فيها منصّة اليوتيوب”، لكنه يجري على صعيد آخر يكمن في مقدرة كل شركة على الفوز بحصة الأسد من عائدات الإعلان، فعلى الرغم من أن بعض البحوث تؤكد وجود نسبة جيدة من المشاهدين الذين ينظرون إلى إعلانات المنصّات الرقميّة بثقة أقل من تلك التي تبثّ عبر التلفزيون، إلا أن بعض مسؤولي القنوات التلفزيونية لازالوا يخشون منافسة اليوتيوب في مجال الإعلان.

فالمدير العام للقناة السادسة الفرنسية، “غيوم شارل”، على سبيل المثال، يرى أن كِفّة المنافسة تميل لصالح منصّة اليوتيوب، لأن السعر الذي تقترحه على المعلنين أرخص من سعر الإعلان التلفزيوني، ولا تنطبق على هذه المنصّة المحظورات المفروضة على الإعلان التلفزيوني، والمتعلقة بنوع المواد والسلع المسموح بالإعلان عنها تلفزيونيًّا، والحد الأقصى الدقائق التي لا يجب أن يتجاوزها البثّ التلفزيوني للإعلان، والأوقات التي يمنع فيها.

نعتقد أن للمنافسة في مجال الإعلان أبعاد أخرى ترتبط بمعايير قياس القيمة المالية للإعلان وفاعليته، فالمنصّات الرقميّة تملك التقنيّة التي تسمح لها بقياس عدد متصفحي إعلاناتها من خلال النقر على نصّ الإشهار أو أيقونته، ومعرفة أماكن وجودهم، وأي جهاز استخدموه، وسنهم، ونوعهم: ذكور وإناث، وغيرها من البيانات التي تحدد أسعار الإعلان في المنصّات الرقميّة.

بينما يفتقد البثّ التلفزيوني هذه التقنيّة والفاعلية، فالقنوات التلفزيونية الكلاسيكية لا تملك معلومات دقيقة عن جمهور الإعلان التلفزيوني سوى ما تذكره بعض البحوث الاستطلاعية التي قد لا تلتمس الحقيقة، فتكتفي بتحديد سعر بثّه بالمعايير التقليدية التالية: مدة البثّ التي تُقاس بالثانية، وعدد المرات المقترحة لبثّه والوقت المقترح لذلك، لأن سعر بثّه وقت الذروة يكون أغلى من سائر الأوقات، ونوع القناة التلفزيونية التي تبثّه: شاملة أم متخصصة؟ أرضية أم فضائية؟ مجانية أم بالاشتراك المالي؟ وما وزنها في سوق المشاهدة أمام ميلان كِفّة الإعلان لصالح البثّ عبر المنصّات الرقمية؟ نلاحظ “تهافت” القنوات التلفزيونية على ابتكار أشكال من البثّ والتوزيع عبر الشبكة، مثل البثّ الحي عبر شبكة الإنترنت، والتلفزيون الاستدراكي، وخدمة الفيديو تحت الطلب، وغيرها.

عالم الترفيه “السمعي/البصري” المتحول

للإسهام في السجال المذكور بين الطرفين، يجب الأخذ بعين الاعتبار مجموعة من الشواهد على التحولات الجذريّة التي طرأت على عالم الترفيه “السمعي/البصري” اليوم.

إن تلفزيون اليوم، ليس ذاك الذي عاشه جمهوره في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إذا أصبح بحق “تلفزيون اجتماعي”، أي ذاك الذي انتقل جمهوره من التلقّي إلى المشاركة، ولم يعد يكتفي هذا الجمهور في كثير من الأحيان، بشاشة واحدة، بل يستخدم أكثر من شاشة سواء بشكل متزامن، كأن يشاهد مباراة في كرة القدم على جهاز التلفزيون، ويرسل تعليقاته في الوقت ذاته، على المقابلة إلى صديقه أو قريبه المناصر لفريق منافس لفريقه، وقد يستخدم الشاشتين بشكل غير متزامن، كأن يشاهد مباراة في كرة القدم، ثم يتناول هاتفه ويرسل اللقطات “الجميلة”، التي سجلها لفريقه في المقابلة، إلى منصّة اليوتيوب، أو إلى زملائه مع تعليقاته الشخصية.

ولم يعد التلفزيون يكتفي بمنطق البثّ والتوزيع الذي اعتاد عليهما منذ العقود الماضية من القرن الماضي، ويمكن أن نذكر العديد من الأمثلة التي تثبت هذا الواقع، فالقناة “الألمانية – الفرنسية” “أيه آر تي إيه” (ARTE) النخبويّة وذات الاهتمام الثقافي، سعت خلال العقد الأخير إلى مواكبة التشذّر الذي أحدثته المنصّات الرقميّة في جمهور التلفزيون، فقامت بإنشاء عشرين منصّة رقميّة لبثّ برامجها المتخصّصة في مواضيع مختلف: “التراث، التاريخ، السينما…”، وقد حققت بعض النجاح على صعيدين، الصعيد الأول: أنها وسعت القاعدة الاجتماعية لجمهورها، والصعيد الثاني: أنها تمكّنت من ” تشبيب” مشاهديها. إذ يذكر أن معدل أعمارهم هو (65) عامًا، وأنخفض إلى (35) عامًا بفضل المنصّات التي أنشأتها.

لا غرو إذًا إن حدثنا أحد الشيوخ المولعين بالمادة “السمعية/البصرية”، وقال: “لقد شاهدت التلفزيون عندما كان يبثّ باللونين: الأبيض والأسود، ثم بالألوان، واستخدمت جهاز التحكم عن بُعد عندما تعدّدت القنوات وأتيح لنا الاختيار، ودفعت ثمن الاشتراك الشهري في باقة من القنوات التلفزيونية، وأصبحت اليوم أمسح بأصبعي هاتفي الذكي لمشاهدة نشرة الأخبار التلفزيونية مباشرة أو أفلامًا وثائقيّة”. إنه التحوّل في الجهاز والمشاهد معًا.

قد يندهش المرء اليوم من زخم القنوات التلفزيونية في شبكة الإنترنت التي تعدّدت موضوعاتها من الرياضة، إلى الموسيقى والغناء، إلى الطبخ، والأخبار، والمسلسلات والأفلام الوثائقية، والتي تجتهد كلها في “اصطياد” مختلف الشرائح العمرية.

لقد أصبحت الشركات الكبرى العريقة تملك قناتها التلفزيونية التي تبثّ عبر شبكة الإنترنت، مثل: “ديزني بلاس” (Disney +) التابعة لشركة “والت ديزني”، بل أن الشركات العملاقة المختصة في المعلوماتية، مثل: “آبل”، دخلت حلبة المنافسة بقناتها التي تبث عبر شبكة الإنترنت: “آبل تيفي بلاس”  (Apple TV +).

يمكن أن نستخلص من كل ما سبق ذكره أن منطق التلفزيون الكلاسيكي، تلفزيون جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، يتراجع بخطى حثيثة، وأن مواقع الميديا الاجتماعية استطاعت أن تحول وسائل الإعلام التقليدية من صحف ومجلات ومحطات إذاعية وقنوات تلفزيونية إلى محتوى دون أن تقضي عليها، وأن الثابت الوحيد في عالم الميديا والأخبار والترفيه هو التغيير، فلا أحد يستطيع أن يتنبأ عما يحدث غدًا أو بعد غد في هذا العالم، على الرغم من أن بعض ملامحه أضحت ظاهرة للباحثين اليوم، بهذا القدر أو ذاك من الوضوح.