قراءة في تغطية الإعلام الخليجي لأزمة كورونا (COVID 19)

مشعل الوعيل – ماجد الجريوي

مقدمة
ألقت أزمة (كوفيد 19)، التي وصلت لدول مجلس التعاون نهاية يناير الماضي، بظلالها على كافة مجالات الحياة، وتفاعل الإعلام في دول المجلس مع الجائحة وتأثر بها، سواء على مستوى الممارسات أو طريقة العمل، وأدت الجائحة إلى تصدر أخبارها كافة الوسائل الإعلامية بمختلف أشكالها، قنوات تلفزيونية، محطات إذاعية، وصحف، وأضحت العنوان الأبرز للأحاديث الإعلامية بكافة أطيافها.
الإعلام في دول مجلس التعاون تأثر كثيرًا بتلك الجائحة من حيث الممارسات الإعلامية خلال الأزمة، بل إن الكثير من الخطوات المهمة في مسار المهنة حدثت أثناء الفترة ذاتها.
ومن خلال هذه القراءة، رصدنا أبرز الممارسات الإعلامية التي كانت حاضرة، مع التركيز على التحولات الرقمية ومستوى الشفافية وأساليب التوعية التي مورست، بالإضافة إلى دور مشاهير التواصل الاجتماعي، وكيف تمكنت وسائل الإعلام من صناعة محتوى مختلف.
تتشكل هذه القراءة من ثمانية محاور رئيسية، بالإضافة إلى توصيات عامة، وهي: “فايروس الجائحة يجتاح الورق، وحضور التغطية الميدانية، ورقمنه الإعلام الخليجي، وروافد مهمة، وتنوع المحتوى، والشفافية والمصداقية، وأساليب التوعية، وتكرار المعلومات وتوصيات”.

المحور الأول: فايروس الجائحة يجتاح الورق
أقدم عدد من المؤسسات الإعلامية في دول مجلس التعاون على خطوة إيقاف طباعة الصحف الورقية خلال فترة جائحة كورونا، معللين ذلك بأن الورق قد يُسهم في انتقال العدوى بين متداوليه، الأمر الذي دفع باللجنة العُمانية العليا للتعامل مع فيروس كورونا (كوفيد 19) إلى وقف الطباعة الورقية للصحف والمجلات والمنشورات بمختلف أنواعها ومنع تداولها، ومنع بيع وتداول الصحف والمجلات والمنشورات التي تصدر خارج السلطنة، كما قرر المجلس الأعلى للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة الأمر ذاته مؤقتــًا، وفي السعودية نجد أن صحيفتي “عكاظ” و”مكة” قامتا بإيقاف نسخهم الورقية مؤقتــًا.
هذه الخطوة الاحترازية من قبل المؤسسات الإعلامية أعطت إيحاءً بأن لها بُعدًا مهنيـًّا أيضًا، خصوصًا وأن الحديث كان يدور كثيرًا خلال الأعوام الخمس الماضية حول خطوة تحول الصحف من الورقية إلى الإلكترونية، وسط تخوف المؤسسات الإعلامية من الإقدام على هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، ويجب على مراكز الدراسات بالمؤسسات الصحفية التوجه نحو قياس مدى القدرة على هذا الانتقال وكيفية تقبل الجمهور له، ويمكن قياس ذلك من خلال أعداد متصفحي مواقع الصحف ومرتادي حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كما يمكن للإعلان أن يكون واحدًا من أهم تلك المعايير التي يمكن على ضوئها قياس مدى إمكانية الانتقال الكامل للإصدار الإلكتروني، بيد أن الظروف الاقتصادية المصاحبة لأزمة كورونا أثرت كثيرًا على السوق الإعلاني، مما يجعل معيار الإعلان في تلك الفترة ليس مقياسًا.
التحول من الجانب الورقي إلى الإلكتروني لم يكن مقتصرًا على تغير في منصة الظهور فحسب، بل حتى في مضمون ذلك المحتوى، بالبحث في المقام الأول عن الخبر وأسبقيته، خصوصًا وأن عددًا من تلك الصحف كانت تعتمد قبل أزمة كورونا على (ما وراء الخبر) بالبحث عن تفاصيله وخلفيته، من دون التركيز على الأسبقية كونها كانت تصدر ورقيًّا في اليوم الذي يلي الحدث، غير أن قرار التحول الإلكتروني أثناء الأزمة جعل مضامين المحتوى الإخباري للصحف مركزًا على الأسبقية بشكل أكبر، وهذا ما ظهر جليًّا في أنماط كتابة الأخبار، كما حضر التحديث الفوري للصفحات الرئيسية في مواقعها الإلكترونية بشكل ملفت، ما يعكس الممارسة المهنية الصحيحة لمفهوم الصحف الإلكترونية لا النشر الإلكتروني، كما أن التحديث الفوري لم يكن مقتصرًا على الصفحات الرئيسية لمواقع تلك الصحف، بل امتد
‒ أيضًا ‒ للملاحق الداخلية للصحيفة.

وشهدت حسابات الصحف عبر شبكات التواصل الاجتماعي حضورًا مواكبًا للحدث من خلال جانبين رئيسيين:
1-سرعة التعاطي مع الأحداث والنشر السريع، ما جعل المتابعين في تلك الشبكات يعتمدون على ما ينشر في حسابات الصحف.
2-القدرة على صناعة مواد خاصة بشبكات التواصل، سواءً نصية أو مرئية.

المحور الثاني: حضور التغطية الميدانية
امتازت وسائل الإعلام في دول مجلس التعاون بالتواجد الميداني أثناء تغطيتها للأزمة، باختلاف منصات الإعلام ووسائله، من خلال عدد من الأوجه والأساليب التي حررت المواد الإعلامية من القوالب الإخبارية الجاهزة، التي تتلقاها من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، لتصنع المواد الميدانية حالة من التوازن في المحتوى، وتوزع الجهد الميداني على عدد من الأماكن، مثل:

1-المؤتمرات الصحفية لمسؤولي الصحة بدول مجلس التعاون.
2-التواجد الميداني في المستشفيات والمراكز الطبية.
3-الاستطلاعات في أماكن المواد التموينية.
4-المقابلات والتغطيات الآنية لوصول رعايا دول المجلس إلى بلدانهم.
هذه المرتكزات الأربعة التي استندت عليها وسائل الإعلام الخليجية في تغطيتها أنتجت مضمونـًا مختلفًا تمكن من تغذية وسائل الإعلام بشكل مميز، بل إن الكثير من المحتوى المتداول في شبكات التواصل الاجتماعي كان صنيعة ذلك المحتوى الميداني، واتضح ذلك بشكل أكبر على صفحات الصحف الخليجية، إذ اعتمدت صفحاتها الأولى على المواد الميدانية، بينما اتجهت صفحاتها الداخلية لتقارير وتحقيقات أُجريت خلال الأزمة، وكذلك الحال للمحتوى الإذاعي والتلفزيوني، سواء في مواد نشرات الأخبار أو محتويات البرامج.
ويمكن القول : إن الأعمال الميدانية والاستقصائية رجّحت كفة وسائل الإعلام التقليدية خلال الأزمة، خصوصًا وأن الجهات الرسمية، وعبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي، كانت حريصة على نشر المعلومات بشكل فوري، وبالتالي كانت وسائل الإعلام بحاجة ماسّة لصنع محتوى مختلف يتمثل في الجانب الميداني.
إن حجم العمل الاستقصائي والميداني الكبير خلال أزمة “كورونا” يفتح نافذة لتلك الوسائل لصناعة جانب توثيقي للتغطية، والحرص على صناعة أفلام وثائقية مما تمتلكه من مخزون هائل من التغطيات والمعلومات المتوافرة لديها، كما أنه من المهم الإشارة إلى أن العمل الميداني لوسائل الإعلام الخليجية ما كان ليتحقق لولا دعم وتشريع حكومي لتلك الممارسات الإعلامية، وتوفير المناخ المناسب لهم للقيام بذلك، سواء من حيث التعاون في توفير المعلومات أو الشفافية وسرعة التجاوب مع استفسارات وسائل الإعلام.
هذا التميز النوعي والمختلف لوسائل الإعلام من خلال تغطيتها للحدث أعاد الكثير من المتلقين لمتابعة الإعلام التقليدي، الأمر الذي يجعل تلك الوسائل مطالبة بالمضي قدّمًا في صناعة محتوى ميداني مميز قادر على جذب المتلقي والتقليل من المواد الإعلامية الجاهزة.

المحور الثالث: رقمنة الإعلام الخليجي
دفعت أزمة كورونا بوسائل الإعلام في دول مجلس التعاون إلى تنشيط وتفعيل حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي ومواقعها الإلكترونية بشكل كبير، بخلاف ما كان سابقــًا، وتمكنت من تقديم نماذج في كيفية التواجد في تلك الشبكات بما يتوافق مع خط سير الوسيلة المهني، ويمكن القول: إن أبرز ثلاثة أشكال تواجدت بها وسائل الإعلام التقليدية عبر منصاتها في الإنترنت والإعلام الرقمي كانت على النحو التالي:

1-المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية.
2-حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”.
3-حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”.

أولاً: المواقع الإلكترونية الرئيسية لمؤسسات الإعلام الخليجية
تواجدت وسائل الإعلام الخليجية بشكل جيد ومتفاعل ومتجدد عبر مواقعها الإلكترونية، خصوصًا أن بعض الصحف الخليجية أوقفت صدور نسخها الورقية، كما ذكرنا سلفًا، ما جعلها مطالبة بتفعيل محتوى مواقعها الإخبارية بشكل كبير، من خلال تحديث المعلومات بشكل فوري، وملاحقة المستجدات أولاً بأول، ولم تكتفي وسائل الإعلام الخليجية في مواقعها الإلكترونية بضخ المواد الإخبارية فحسب، بل حرصت ‒ أيضًا ‒ على استحداث عدد من التقنيات، مثل الوسائط المتعددة والخرائط التفاعلية لمتابعة مستجدات الحالات المصابة، ومنها على سبيل المثال؛ صحيفة الرؤية الإماراتية التي وضعت خريطة تفاعلية عبر موقعها ترصد مستجدات الإصابة بالفيروس وإحصاءات الحالات.

ثانيًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “تويتر”
كان التعاطي في “تويتر” هو الأبرز والأكثر متابعة من قبل المتلقين، وعليه فقد حرصت وسائل الإعلام الخليجية عبر حساباتها في “تويتر” على انتهاج ثلاثة خطوط أساسية في التغطية، تمثلت في الآتي:

1-مواكبة أهم الأحداث والأخبار الصادرة من الجهات الرسمية أو وكالات الأنباء.
2-إعادة نشر محتوى الوسائل التقليدية عبر منصة “تويتر”، سواء كان مسموعًا أو مرئيًّا أو مكتوبًا أو على هيئة تصاميم انفوجرافيكس.
3-صناعة محتوى خاص وحصري لحساباتها في “تويتر” قبل أن يتم بثـّه عبر المنصات التقليدية.

ثالثـًا: حسابات المؤسسات الإعلامية في “يوتيوب”
في منصة “يوتيوب” نجد أن الكثير من وسائل الإعلام التقليدية حرصت على تغذية حساباتها، وخصوصًا القنوات الإذاعية والتلفزيونية التي حرصت على تحديث صفحاتها بشكل سريع، وبالذات برامج القناة والفيديوهات التوعوية المنتجة، والتي تضمن من خلالها عودة المشاهد، كما قدمت بعض الصحف نموذج الصحافة التلفزيونية من خلال حساباتها في “يوتيوب”، مثل صحيفة القبس الكويتية التي غذت حسابها في “يوتيوب” بالعديد من التقارير والاستطلاعات والتحقيقات الميدانية، لتكون رافدًا مهمًا وحيويًا لما تنشره الصحيفة ورقيًّا.
هذا التميز الكبير من قبل وسائل الإعلام الخليجية في التواجد عبر فضاء الإعلام الرقمي يمثل دافعًا كبيرًا لها للاستمرار في تفعيل تلك الحسابات، والاستفادة من بقية الشبكات لتقديم محتوى يتواءم مع كل شبكة وجمهورها، كما أن وسائل الإعلام التقليدية، وبخاصة التلفزيون، قامت باستخدام “الهاشتاقات” التي أُطلقت للتوعية أثناء الجائحة، في حين قامت بقية الوسائل بتوظيف تلك “الهاشتاقات” عبر حساباتها في شبكات التواصل الاجتماعي خصوصًا حينما يتم تناول الأخبار المتعلقة بمستجدات الجائحة.

المحور الرابع: روافد مهمة
لعبت شبكات التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا وجوهريًا في التأثير في المواطن والمقيم في دول مجلس التعاون خلال الجائحة، وبخاصة من قبل مشاهير شبكات التواصل، إذ قام العديد منهم بجانب توعوي عبر رسائلهم التي بثـّوها من خلال حساباتهم في شبكات التواصل.

ويمكن تصنيف الدور الإيجابي للمشاهير خلال الأزمة في ثلاث فئات رئيسية، هي:

1-مشاهير تعرضوا للإصابة بالمرض:
تعرض عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي للإصابة بفيروس كورونا (كوفيد 19)، وقام عدد منهم بتغطية تفاصيل الإجراءات الطبية التي أجريت لهم، والأعراض التي مرّت عليهم، بالإضافة إلى استعراض الخدمات الطبية المقدمة للمرضى المصابين بالفيروس، ما زاد من وعي المتلقين حيال ذلك، وتصدرت إصابات هؤلاء المشاهير أحاديث المتابعين عبر منصات التواصل.

2-مشاهير خضعوا للحجر الطبي
البعض الآخر من مشاهير التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون كانوا متواجدين خارج بلادهم عند بداية الأزمة، ما جعلهم يوثقون الجهود المبذولة في الإجلاء، وفور عودتهم وثقوا الجهود المبذولة في اختبارات الفحص والخدمات المقدمة في الحجر الصحي، كما قاموا بجانب توعوي للمتلقين عبر نقل النصائح الطبية التي تلقوها من الجهات الرسمية والموجهة للعائدين من دول تفشت فيها الإصابة بالفيروس.

3-مشاهير قاموا بالتوعية
الفئة الثالثة من المشاهير تفاعلوا مع الجائحة بالحرص على تقديم معلومات موثوقة حول المرض وكيفية الوقاية منه وأبرز الخطوات الاحترازية في ذلك، مستندين على البيانات والتعليمات الصادرة من وزارات الصحة والهيئات الطبية، بالإضافة إلى محاولتهم تقديم النصح بالتباعد الاجتماعي والبقاء في المنزل، ولاقت تلك الرسائل تفاعلاً كبيرًا من متابعيهم.

وشكل تفاعل عدد من مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون مع الأزمة رافدًا مهمًا لوسائل الإعلام التقليدية الخليجية عبر عدد من الأوجه:
-متابعة أخبار المشاهير وأنشطتهم خلال الأزمة، سواء من تعرض للإصابة أو من كان في الحجر المنزلي.
-كثير من المواد الإعلامية بنيت من خلال محتوى صنعه عدد من مشاهير تلك الشبكات.
-قام عدد من المشاهير بتناول كثير من المواد الإعلامية عبر حساباتهم والتعليق عليها، ما شكل ترويجـًا إيجابيًّا لهذه المواد.

في المقابل نجد أن بعض المشاهير قاموا بدور سلبي أثناء الجائحة، وتمثل ذلك في جانبين أساسيين:
1-اختراق الأنظمة واللوائح الموضوعة من قبل الجهات المعنية، سواء من حيث عدم التقيد بمواعيد الحظر أو عدم اتباع الإجراءات الاحترازية.
2-نقل معلومات غير صحيحة أو غير دقيقة، سواء حول الإجراءات الصادرة بخصوص الجائحة أو من خلال تمرير معلومات طبية مغلوطة.
من جانب آخر وقع بعض مشاهير شبكات التواصل الاجتماعي في دول مجلس التعاون في فخ عدم وجود مضمون يطرحه خلال فترة الأزمة، خصوصًا وأن الكثير من المحتوى الذي كانوا يقدمونه سابقـًا يرتكز بشكل أساسي إما حول تفاصيل حياتهم اليومية الطبيعية، أو المحتوى الإعلاني المدفوع، ويمكن تلخيص مسببات نضوب المحتوى لدى هؤلاء المشاهير في الاعتبارات الآتية:

1-الكساد الكبير للإعلانات خلال الأزمة.
2-خصوصية المنزل عند بعضهم، لذا احجموا عن النشر أو قللوا منه طيلة فترة الحظر.
3-جزء كبير من المحتوى الذي يقدمه المشاهير يعتمد على الحياة اليومية الطبيعية ولقاء الأصدقاء أو المقالب التي تصنع، وجميعها غابت أثناء الأزمة.
4-اللجوء إلى صناعة محتوى سلبي، من خلال توثيق عدم التقيد بالأنظمة ومخالفة القوانين، ما أنتج مقاطع غاب عنها المضمون الإيجابي المنتظر.

المحور الخامس: تنوع المحتوى
امتازت وسائل الإعلام الخليجية بقدرتها على تنويع المحتوى المقدم خلال أزمة كورونا، فبالإضافة إلى اعتمادها على المواد الجاهزة من وكالات الأنباء والجهات الرسمية، والتي تعدُّ خطوة إيجابية ومهنية، سعت إلى التنوع في مضامين ما قدمت، ومن دون أدنى شك في أن أخبار الجائحة هي ما تصدرت تلك الوسائل، إلا أن أساليبها اتسمت باختلاف الطرق المقدمة، حيث ظهر العديد من البرامج التي أُنتجت بسبب الأزمة، في حين تمَّ تغيير مسار عدد من البرامج القائمة لتكون مختصة بنقل أحداث ومستجدات الأزمة، وصحفيًّا نجد أن عددًا من التبويبات والملاحق أُنشئت لتناول الجائحة، ويمكن التفصيل في تنوع المحتوى في الإعلام الخليجي على النحو  الآتي:

أولاً: تلفزيونيًّا
القنوات الخليجية منحت أخبار الجائحة وتطوراتها صدارة الاهتمام، وحاولت إضفاء زوايا وأبعاد أخرى للمحتوى المقدم، فقناة “سما دبي” على سبيل المثال؛ قدمت رسائل توعوية للمقيمين على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة، في حين استقطب تلفزيون الكويت العديد من الأسماء الفنية لاستغلال حضورهم في تقديم نصائح للمشاهدين عن الجائحة، كما شاهدنا عددًا من العروض المرئية التي تحاكي الطفل من خلال أعمال كرتونية أو موشن جرافيكس، وشاهدنا القناة السعودية تغطي تبعات الجائحة عبر كافة المجالات من خلال سلسلة برامج.
الجانب الإخباري كان عنصرًا أساسيًّا وثابتًا فيما تقدمه القنوات، إلا أنها تحررت من الجانب الإخباري البحت، وحرصت على استخدام أنماط أخرى للمواد المقدمة.

ثانيًا: إذاعيًّا
حرصت الإذاعات عبر الأثير على تناول أمور الجائحة من خلال زوايا عدة، شملت تأثير الفيروس على الجانب النفسي لدى أفراد المجتمع، ومدى تخوفهم من ذلك، وكيفية تبديد تلك المخاوف، حيث استضافت العديد من المختصين في هذا الجانب، كما حرصت الإذاعات على تناول جوانب متنوعة للأزمة.

ثالثـًا: صحفيًّا
استطاعت الصحف تغذية صفحاتها بالعديد من التقارير والتحقيقات والحوارات والمقالات التي كانت مواكبة للحدث، وتناولت تفاصيله وأبعاده، ولا تكاد تخلو صحيفة خليجية في أي يوم من تلك الفنون الصحفية المتناولة للأزمة من زوايا عديدة ومختلفة، وحرصت على عدم الاكتفاء بالجانب الإخباري أو البحث عن أبعاد أخبار كورونا من الجانب الصحي فقط، بل سعت من خلال تلك الممارسات الصحفية للبحث عن أبعاد الأزمة وأبرز المجالات التي عانت خلالها، عبر استضافة المختصين للحديث عن تلك التأثيرات.
وعلى الرغم من كثافة الأخبار أو المحتوى المتعلق بجائحة كورونا في وسائل الإعلام الخليجية، إلا أن تلك الوسائل حافظت في الجزء المتبقي من محتواها على بقية الأحداث والتغطيات البعيدة كل البـُعد عن الجائحة، في محاولة لكسر رتابة المحتوى مراعاة لذائقة المتلقي وحفاظــًا عليه.

المحور السادس: الشفافية والمصداقية
تكثر الأخبار المغلوطة وغير الصحيحة خلال الأزمات، وتتكاثر خلالها الشائعات بشكل كبير، الأمر الذي يجعل منها بيئة خصبة لولادة الإشاعة، بيد أن المتتبع لوسائل الاعلام الخليجية يدرك أن تلك الوسائل قامت بدورها التوعوي، من خلال المتابعة المهنية للخبر وعدم بث أيّ معلومات مغلوطة، على الرغم ممّا عجّت به شبكات التواصل الاجتماعي من سيل هائل من الاجتهادات والأخبار الخاطئة، غير أن تلك الوسائل لم تنجرف خلف تلك الطروحات، ولم تتبن منها معلومات قبل التثبّت من مصدرها، ويمكن قياس مصداقية وسائل الإعلام الخليجية عبر أكثر من جانب، من أهمها:
-ندرة البيانات الصادرة من جهات رسمية لنفي محتوى صادر عن وسيلة إعلامية.
-عدم نفي وزارات الصحة في مؤتمراتها الصحفية معلومات تمَّ طرحها من إعلاميين منتسبين لتلك الوسائل الإعلامية.
-عدم وجود أخبار مغلوطة متداولة في شبكات التواصل مصدرها وسيلة إعلام تقليدي.  

ويمكن إرجاع هذا التميز في جانب المصداقية لتلك الوسائل إلى عدد من الجوانب، هي:
-حرص وسائل الإعلام الخليجية على الالتزام بمصادر المعلومات الرسمية.
-قوة مصادر تلك الوسائل في الوصول للمسؤول والتثبت من المعلومات.
-كفاءة العاملين في الحقل الإعلامي.
-شفافية الصوت الحكومي وسرعة تجاوبه مع وسائل الإعلام.
ولأن الحديث عن المصداقية في وسائل الإعلام الخليجية، لا بد من أن نشير للتميز الذي شهدته المؤتمرات الصحفية لمختلف القطاعات، وبخاصة القطاع الصحي، حيث كانت سرعة التجاوب والشفافية المطلقة عنوانين واضحين وصريحين لها، وسببًا رئيسيًّا في ووأد أي إشاعة يمكن أن تولد.

ويمكن تصنيف الأسئلة الواردة في المؤتمر الصحفي على النحو التالي:
-أسئلة من واقع التفاصيل التي يدلي بها المتحدثون في المؤتمر.
-أسئلة من صميم ما يدور في أذهان المواطنين.
-أسئلة حول تقارير المنظمات الصحية المحلية والخليجية والدولية.

كما اتسمت أسئلة الإعلاميين بالإيجابية لأكثر من اعتبار، هي:
-أسئلة واضحة ومباشرة.
-أسئلة في صميم الحدث من دون التطرق لأمور جانبية.
-عدم التكرار في الأسئلة.
-أسئلة دقيقة مبنية على استفهامات لا آراء.
-عدم وجود أسئلة ضعيفة أو ركيكة أثارت استغراب المتحدث أو تعجبه.
ولا يمكن هنا أن نغفل جانبًا غاية في الأهمية أسهم في جودة الأسئلة المطروحة، حيث إن بعض الجهات الصحية قامت خلال المؤتمرات الصحفية بفرز الأسئلة قبل طرحها، وبخاصة المؤتمرات التي تتم عن بُعد، بغية عدم وجود أسئلة مكررة أو غير واضحة أو بعيدة عن الموضوع الرئيس.

ومن المعايير التي يمكن الاعتماد عليها لقياس جودة الأسئلة المطروحة في المؤتمرات الصحفية، الآتي:
-محتوى ثري في الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعية، بني على إجابات تمت خلال المؤتمرات الصحفية.  
-تغذية شبكات التواصل الاجتماعي بمختلف منصاتها بمحتوى تلك المؤتمرات وتناقله، والبعض من تلك الإجابات وصل لـ”الترند”.
-كثير من محتوى وكالات الأنباء ناتج عن أسئلة المؤتمر.

المحور السابع: أساليب التوعية  
نجحت وسائل الإعلام الخليجية في التغطية الإخبارية للجائحة بشكل جيد وملفت، من خلال المتابعة الدقيقة لمستجدات الأخبار وما ورائها، كما أسهمت
– أيضًا – في الجانب التوعوي عبر أشكال عديدة، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

1-نقل الرسائل المباشرة:
وذلك من خلال نقلها لرسائل وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول مجلس التعاون، تلفزونيًّا وإذاعيًّا وصحفيًّا، وتكرار النصائح والإرشادات من خلال الفواصل وفي مقدمة البرامج وخواتيمها، كتذكير بالرسائل التوعوية الواردة من المؤسسات الصحية.

2-صناعة محتوى توعوي:
قامت وسائل الإعلام والمنظمات المتخصصة في دول مجلس التعاون بصناعة مواد توعوية عبر الحصول على آراء ومعلومات إضافية من الخبراء ومراكز الدراسات، أو من خلال ترجمة وإعادة صياغة المحتوى المقدم من وزارات الصحة بأسلوب متنوع ومناسب لكل فئات المجتمع وأطيافه؛ ما سهل عليهم فـَهم المعلومات والإرشادات الواردة.

3-توظيف الـ”هاشتاقات” لمواكبة مراحل الأزمة:
واكبت وسائل الإعلام الخليجية مراحل الأزمة، من خلال اعتماد عنوان المرحلة ووضعه في “هاشتاق” مثبت في شاشة القنوات التلفزيونية، بالإضافة لتوظيفه بالشكل المناسب من مقدمي البرامج الإذاعية والتلفزيونية لترسيخه في عقل ووجدان المتلقي من أجل تحويله إلى سلوك عملي يعطي النتائج المرجوة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن وزارات الصحة والهيئات الطبية في دول المجلس بذلت جهودًا اتصالية في هذا الجانب تحديدًا، فبالإضافة إلى تفوقها في التعاطي مع الأزمة من حيث الشفافية وسرعة المعلومة، فإنها ‒ أيضًا ‒ قامت بدور إيجابي في تذليل وتبسيط المصطلحات الطبية، كما قامت بترجمة تلك المنشورات التوعوية بلغات أخرى لتصل بالشكل الأمثل للوافدين.

ومن منظور شمولي، تماشت دول مجلس التعاون مع المعايير الدولية في إدارة الأزمة إعلاميًّا، وقدمت نموذجًا يحتذى به، وذلك من خلال العناصر الآتية:
1-سرعة بث المعلومة.
2-الشفافية.
3-التحديث الفوري للمعلومات.
4-الإجابة عن استفسارت وسائل الإعلام والجمهور.
5-تفعيل منصات خدمة المستفيدين.
6-تبسيط المصطلحات لكل فئات وشرائح المجتمع بمختلف أعمارهم.
7-ترجمة المحتوى المنشور لأكثر من لغة.
والمتتبع للرسائل التوعية الصادرة تجاه الجائحة، سواء من قبل الجهات الحكومية أو من خلال ما صنعته وسائل الإعلام من تقارير وتحقيقات واستطلاعات وأعمال وثائقية، كانت اللغة التوعوية المستخدمة تتسم في معظمها بالإيجابية والإرشاد من دون اللجوء إلى أسلوب التخويف والترهيب ولا لغة التهوين.

المحور الثامن: تكرار المعلومات
أسهم تكرار المعلومات المقدمة في المؤتمرات الصحفية للجهات الصحية في إحساس الجمهور بالملل، خصوصًا وأنه يبحث في كل مرّة عن معلومات مختلفة تخص الجائحة، الأمر الذي تسبب في تراجع نسب المتابعة لتلك التحديثات، على الرغم من تزايد أعداد الإصابات، وتكرار ذات الأسلوب المتبع والمحاور الأساسية نفسها التي يتم التحدث عنها جعل المتابع يبحث عن معلومات من مصادر أخرى، والعديد من المتابعين عبروا عن انتقادهم لتكرار المعلومات المقدمة من قبل المتحدثين في المؤتمرات، والأمر ذاته ينطبق على وسائل الإعلام التقليدية من حيث تكرار النصائح المقدمة، على الرغم من تنوع المحتوى المعروض في تلك الوسائل وحرصهم على متابعة أبعاد الجائحة من عدة زوايا، غير أن الركيزة الأساسية والمتمثلة في تكرار المعلومات، وبخاصة النصائح، أسهم في تناقص أعداد المتابعة بشكل أو بآخر.

وكان يمكن لوسائل الإعلام اتباع عدد من الأساليب للتغلب على سلبية التكرار، ومن بينها:
1-البحث المستمر عن معلومات جديدة حول الوباء وآخر الاكتشافات الطبية المتعلقة بالجائحة.
2-عدم تكرار النصائح ذاتها بشكل يومي في نفس القالب، والتنسيق مع الجهات الطبية للتركيز على الإرشادات التي تتوافق مع كل مرحلة من مراحل الأزمة.
3-تكثيف المحتوى القصصي المتعلق بالجانب الإرشادي، وبخاصة في الإنتاج المرئي.
4-اختيار قصص إنسانية تحكي تجارب مع المرض، مثل قصص الكوادر الطبية أو المصابين بالمرض أو من تسببوا في نقل الفيروس إلى أسرهم ومعارفهم.

التوصيات العامة:
-زيادة المحتوى المقدم للمقيمين في دول مجلس التعاون باختلاف لغاتهم.
-تطوير وتكثيف صناعة المحتوى المرئي الموجه للطفل.
-التوسع في توظيف حسابات المؤسسات الإعلامية في شبكات التواصل الاجتماعي، وصناعة محتوى إعلامي مختلف ونوعي مناسب للبث من خلالها.
-أهمية وجود الإعلامي المتخصص، وتهيئة كوادر إعلامية وتدريبهم في هذا المسار.
-إخضاع تغطيات كل وسيلة إعلامية إلى التقييم، وقياس مدى إقبال الجمهور على المواقع الإلكترونية وحسابات التواصل الاجتماعي لتلك الوسائل.
-التركيز على تطوير العمل الميداني كمًّا وكيفــًا.